قراءة في قصيدة الجمال
تأليف Abdelhadi Alsiddig
في «قراءة في قصيدة الجمال»، يخوض عبد الهادي الصديق تجربة نقدية فريدة تقوم على الحوار بين الشعر والموسيقى، من خلال المقارنة بين قصيدة الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير «النائم المسحور» وباليه الموسيقار الروسي تشايكوفسكي «الجمال النائم». ولا يكتفي الصديق بالمقارنة بين عملين ينتميان إلى عالمين فنيين مختلفين، بل يسعى إلى الكشف عن الروابط الخفية بين الإحساس الشعري والإيقاع الموسيقي، وبين الصورة التي يصنعها الشاعر والصورة التي ترسمها الموسيقى.
تنطلق هذه المقاربة من تجربة جمالية شخصية لدى عبد الهادي الصديق، حين استمع إلى موسيقى «الجمال النائم» وشعر، في خياله النقدي، بأن صوت التجاني يوسف بشير يمكن أن يتردد في فضائها. ومن هذه المصادفة الفنية تولدت فكرة اللقاء المتخيل بين شاعرين للفن، أحدهما يصوغ الجمال بالكلمات والآخر يصوغه بالنغم والحركة.
يتتبع الصديق في الكتاب أوجه التشابه بين التجربتين، متوقفًا عند لحظة الخلق الفني، وعند علاقة المبدع بالطبيعة والحب والحزن والجمال، كما يتأمل في الظروف الإنسانية التي أحاطت بحياة كل من التجاني وتشايكوفسكي. ومن خلال هذه المقارنة، تصبح القصيدة والموسيقى لغتين مختلفتين قادرتين على التعبير عن مشاعر إنسانية متقاربة، وعن ذلك القلق الداخلي الذي يدفع الفنان إلى تحويل تجربته في الحياة إلى أثر فني.
ولا تقف القراءة عند حدود التشابه الجمالي، بل تمتد إلى العلاقة بين حياة المبدع وعمله، وبين التجربة الإنسانية ولحظة الإبداع. ويستكشف الصديق كيف يمكن للنغم أن يضيء القصيدة، وكيف يمكن للشعر بدوره أن يمنح الموسيقى معنى وصورة وخيالًا. وهكذا تتحول المقارنة إلى حوار بين الفنون، يتجاوز اختلاف اللغة والثقافة والجغرافيا.
ومن خلال استحضاره لتجربة التجاني يوسف بشير ووضعها في مواجهة تجربة تشايكوفسكي، يقدم عبد الهادي الصديق رؤية تتعامل مع الفن بوصفه لغة إنسانية عابرة للحدود. فالشعر والموسيقى، في هذه القراءة، لا يحتاجان إلى وحدة المكان أو الثقافة كي يلتقيا؛ يكفي أن يجتمعا في مساحة الإحساس بالجمال وفي القدرة على تحويل الألم والحلم والتوق إلى إبداع.
ويمثل «قراءة في قصيدة الجمال» جانبًا مميزًا من مشروع عبد الهادي الصديق النقدي، الذي اتسم بالبحث عن مساحات التفاعل بين الأدب والموسيقى والفنون، وبمحاولة قراءة الإبداع السوداني ضمن أفق ثقافي وإنساني أوسع. وقد تحولت أفكار الكتاب لاحقًا إلى برنامج إذاعي، في امتداد يعكس اهتمام الصديق بجعل النقد الأدبي والفني قريبًا من جمهور أوسع.
صدر الكتاب عن مؤسسة أروقة للثقافة والعلوم عام 2003.
