الحزام السوداني
تأليف عبد الهادي الصديق
في «الحزام السوداني: جغرافيته وتاريخه الحضاري»، يقدم عبد الهادي الصديق قراءة واسعة للتاريخ والجغرافيا والثقافة في المنطقة الممتدة جنوب الصحراء، من غرب أفريقيا إلى وادي النيل والبحر الأحمر. ولا ينظر الكاتب إلى «الحزام السوداني» باعتباره مجرد نطاق جغرافي، بل يقدمه بوصفه فضاءً حضاريًا تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل والهجرة والتجارة والتمازج الثقافي بين شعوبه ومجتمعاته.
ينطلق الكتاب من إعادة النظر في الحدود والتقسيمات السياسية التي تشكلت في العصر الاستعماري، ولا سيما في أعقاب مؤتمر برلين، ويقترح النظر إلى المنطقة من منظور أوسع يقوم على وحدة الجغرافيا والتاريخ والتجربة الإنسانية. ويرى الصديق أن امتداد المنطقة بين الصحراء والغابة، وتشابه بيئاتها ومناخها وأنهارها ومواردها الزراعية، أسهم في تشكيل أنماط متقاربة من الحياة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية عبر مناطق شاسعة من أفريقيا.
ويستعرض المؤلف مظاهر متعددة لهذا الترابط الحضاري؛ من الهجرات القديمة وطرق التجارة وانتقال تقنيات الزراعة وصهر الحديد، إلى تشابه العادات والطقوس الاجتماعية وأنماط الحكم والموسيقى والفنون والموروث الشعبي. كما يتوقف عند الروابط التاريخية بين الممالك والإمبراطوريات التي نشأت على امتداد الحزام، مستندًا إلى شواهد تاريخية وأثرية وثقافية في محاولة لإعادة قراءة التاريخ الأفريقي من منظور يتجاوز الحدود السياسية الحديثة.
ومن المحاور البارزة في الكتاب مفهوم «الإسلام السوداني»، الذي يربطه الصديق بخصوصية التجربة الدينية والاجتماعية في المنطقة، وبانتشار التصوف والطرق الصوفية والممارسات والمفاهيم الدينية المشتركة. كما يتناول ظواهر ثقافية وشخصيات تقليدية عابرة للحدود، مثل القريو (Griot) أو الجيلي (Jeli)، بوصفها جزءًا من الذاكرة الشفوية التي حفظت تاريخ الممالك والمجتمعات وانتقلت عبر الأجيال.
ولا يتوقف الكتاب عند استكشاف الماضي، بل يطرح سؤال المستقبل: هل يمكن لهذه الروابط التاريخية والثقافية أن تشكل أساسًا لأشكال جديدة من التعاون والتكامل بين دول وشعوب الحزام السوداني؟ ومن هنا يتحول الكتاب من دراسة للجغرافيا والتاريخ إلى مشروع فكري لإعادة التفكير في علاقات المنطقة وإمكانات التقارب بينها، مع التأكيد على أن الحدود السياسية الحديثة لا تلغي بالضرورة الروابط الحضارية التي سبقتها.
يمثل «الحزام السوداني» أحد أبرز الأعمال الفكرية في مشروع عبد الهادي الصديق، ويكشف عن اهتمامه بقراءة السودان ضمن محيطه الأفريقي الأوسع، وربط الجغرافيا بالتاريخ والثقافة والهوية. صدر الكتاب في طبعته الأولى عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، عام 2005، ويقع في 336 صفحة.
