عبد الهادي الصديق
رجوع
11 أغسطس 2026

في زمن الغياب (نسرين عبد الهادي الصديق)

في زمن الغياب (نسرين عبد الهادي الصديق)

في طريقنا إلى المدرسة كانت فيروز هي سيدة اللحظة ، نجتمع كلنا في السيارة المرسيدس البيضاء و نغني مع الصباح الباكر ( موعود بعيونك أنا ) نكرر تلك العادة كل يوم كانت ( ع هدير البوسطة ) المفضلة لدينا ، نغني معها باتقان ، نرفع اصواتنا بتطريب عالي في المقطع ( و إتذكرت عيونك .. يخرب بيت عيونك يا عليا شو حلويين ) فيهلل والدي فرحا ، عند وصولنا إالى المدرسة يقول : ( أنزلوا يا بناتي .. بعد ده ما بتجيكم عوجة ) ... فيروز في بيتنا كالماء و الكهرباء هكذا كان يقول .. و نهاد أصغرنا سماها تيمنا بها .. صوت فيروز أخذ يخبو في بيتنا شيئآ فشيئآ حتى أختفى الصوت تماما .. كان يحلو لعم عبد الحليم أن يقول له مازحا : ( مشكلة يا عبد الهادي أنت أبتر ما عندك ولد ) فيقول له بدوره : ( يا عبد الحليم ياخي انا عندي أربعة بنات و أربعة كتب ) و يضيف مازحاً أيضاً : ثم أن كل العظماء في التاريخ قد أنجبوا البنات .. كان رحيله مبكرآ جدآ ، ففكرة الموت لم تكن واردة في بيتنا ، لم نتعود الحديث عنه .. كيف يأخذه و قد كنا على اعتاب مرحلة جديدة ، كنا نستعد للانتقال لمنزلنا الجديد و كنا على أبواب الجامعة . و بيتنا مازال مجرد أعمدة كان يقول لوالدتي : ( جبنا البردعة قبال الحمار ) يقصد بذلك الأغراض التي كان يجمعها من اسفاره و التي كان يفضل البعض منها ( قطيع الأفيال ، صورته في الأمم المتحدة ، طاولة الفراشات و صورة كبيرة لنازح مولي ظهره و هو يحمل على كتفه ابريق ولوح و صرة زاد ) و احب عادة إطلاق الأسماء على بعض هذه الأشياء مثل ( علم المحطة ) وهو مفرش كبير به رسومات يدوية أفريقية كان قد جلبه معه من رحلة إلى ( جنوب أفريقيا ) و يرى فيه أجمل ما قام بشراءه يوما ، لذا اطلق عليه هذا الاسم مقتبسا اياه من مسرحية دريد لحام ( كأسك يا وطن ) .. لم ندرى أنه كان على يقين بأنه لن ينتقل معنا إلى ذلك المنزل و بأن أقتباسه للاسم لم يجئ عفوا فدريد لحام كان يبحث في المسرحية عن وطن لعلمه و لم يجده ! عند وفاته كان من الصعب علينا تحمل الموقف ، لم يكن هناك ما يشير إلى رحيله المفاجئ كان يشكو فقط من التعب عزيناه الى أعباء المنزل الجديد .. وجدته نهار تلك الثلاثاء المشئومة و هو يضع الجريدة التي كانت تعرض سلسلة مقالاته ( قراءة في قصيدة الجمال) على وجهه ، كنت أظنه قد غفا كعادته وهو يقرأ ، أخذت الجريدة ، بدا كالنائم ، تكلمت معه ولم يجب ، ليس من عادته أن يستغرق في النوم لهذه الدرجة عندما كررت النداء و لم أجد جوابآ ايقنت أن أمراً آخر قد حدث و مع ذلك كنت أستبعد فكرة الموت ، عندما حاولوا أقناعي بموته كنت أقول (والدي لا يموت) و لم أصدق ذلك حتى اليوم الثالث لوفاته عندما أخذتني عمتي و وقفت بي أمام القبر و قالت : هنا يرقد أبوك ألان .. والدتي التي عرفناها قوية حاولت التظاهر بالصبر و لكننا كنا نعرف ما يخالج نفسها .. نادين أكثرنا صبرا و تحملا للشدائد كانت تقول فلنتخيل بأنه على سفر و سيرجع منه يوما ما .. دلال التزمت الصمت لم تتكلم و لم تذرف دمعة ، كانت الصدمة اكبر من ان تستوعبها . نهاد كانت صغيرة جدا على أن تتيتم .. و الان بعد مرور تسعة سنوات على وفاته مازلنا بأنتظار وصوله من سفر هاتفا سعيدا مهللا كعادته ( يا بنات أنا جيت ) ... عندما يستعد للقراءة و الكتابة كان يضع الأوراق و يجلس ، وحيثما كنا لا يطالبنا بخفض الصوت أو الكف عن الحركة حتى تخاله لا يفعل شيئا ذات أهمية ، و بينما هو مستغرق في كتاباته كان يلتفت الينا بين الحين و الأخر و يناقشنا او يشاهد معنا التلفزيون ثم يعود مرة أخرى إلى أوراقه .. كان يفضل الكتابة مستلقيا و يحب بعثرة الأوراق و الكتب من حوله ، في بعض الاحيان كان يشاركنا الرأي في بعض الأمورالتي يعلم أنها أكبر من وعينا و لكنه كان يفعل ذلك لحكمة ما ... في العام 1998 م أصر على أن يأخذنا إلى بيروت ، لم يكن خافيا علينا حب والدنا لبيروت عرفناها في حكاياته و في صوت فيروز .. عند وصولنا عصر ذلك اليوم ذهبنا إلى شاطئ الروشة و قطعنا بناءً على رغبته مسافات طويلة مشيآ على الأقدام في أنتظار غروب الشمس .. قال أن المشهد لا يمكن ان يفوت .. عندما حان موعد الغروب قال لنا في الماضي تعودت أن أقول لأصدقائي ( أنظروا إلى الشمس .. تغرق و لا تجد من ينقذها ) فيردون عليّ ضاحكين ( يا عبد الهادي ياخ بطل رومانسية ) .. مساء ذلك اليوم قمنا بزيارة صديقه ( عبد العزير فرح ) زوج الاعلامية الراحلة ( ليلى المغربي ) تقابلا بعد سنوات عديدة من الفراق و دارحديث عن ذكرياتهم في (واشنطن ) و (نيويورك ) . واشنطن و بيروت كانتا من المحطات التي تركت في والدي عظيم الأثر فهو لا يفتأ يذكرهم بشجن عجيب و قد أوحت له مسارح برودواي و منذ ذلك التاريخ المبكر كتابة مقاربته النقدية ما بين قصيدة التجاني يوسف بشير ( النائم المسحور ) و باليه ( الجمال النائم ) لتشايكوفسكي ، يقول في كتابه : ( في برودواي نيويورك تغني ذاتها .. أنا أهوى نيويورك ) .. في يومنا الاخير ببيروت أخذنا لنرى مكان اقامته قبل أكثر من عشرين عاما ، في تلك الشقة دارت جلسات أدبية و فنية جمعته بأدونيس ، غادة السمان , محمود درويش , منى السعودي ، نزار قباني و آخرون ، حتى أنه كان يملك المسودة الأولى لقصيدة نزار التي تغنى بها عبد الحليم حافظ ( رسالة من تحت الماء ) و لكنها ضاعت ضمن أشياء أخرى .. كانت داره هناك كما داره في أمدرمان مجمع لأهل الثقافة و الفن .. بينما نحن ركوب في السيارة نبحث عن تلك الشقة ، كان الحزن باديا عليه و هو يبحث عن المعالم التي تركها خلفه قبل سنوات مضت ، و لكن الحرب كانت قد غيرت كل شئ ... وكأنه أتى من سفر ليستعد لسفر أبعد منه قبل شهر من وفاته و فور عودته من محطته الأخيرة في الخارج أخذنا إلى الأذاعة و أمضينا يوما كاملا بصحبة د. صلاح الدين الفاضل الذي كان يحكي لنا بين الحين و الأخر عن الأيام التي عملوا بها سويا و برنامج ( فكر و أيقاع ) للأذاعة في قلب والدي مكانة عظيمة ، كان يعتز ببرامجه و يحب كل ركن و كل عامل بها .. عندما هممنا بالذهاب سألني د. صلاح : ( أبوك ده بدا القصص دي من بدري ، تفتكري هو شليق و لا دي عبقرية مبكرة ؟ ) فرردت عليه في التو ( دي عبقرية مبكرة ) ... كان يضحك لمداعبة أحد أصدقائه له ( أنت يا عبد الهادي محل ما تمشي تولعا ) عمل في بيروت و الحرب في أوجها ، و في ( أنجمينا ) على آيام حسين هبري ، و في ( أفريقا الوسطى ) كانت الحرب الأهلية قد أستدعت تدخلات خارجية و تم إجلاء بعض البعثات الدبلوماسية و كان الرصاص من الكثرة بحيث يزين حوائط المنازل ، و الحرائق تبدو من النوافذ كالألعاب النارية ، و لكنه بطبيعته كان يرى الجانب الجميل فقط من كل شئ ، و من الغريب جداً أننا لم نراه يوما شاكيا أو متذمرا .. كانت الدبلوماسية لديه شئ آخر ... وضع مسوداته لعدة أعمال : ( قاموس أغاني الحقيبة ، مذكراته ، كتابه عن فيروز ، كتابه عن جمال محمد أحمد ( الثقافة البعد الرابع للدبلوماسية) ) و عدة أوراق أخرى ، كما كان ينتظر الطبعة الأولى من كتابه ( الحزام السوداني ) و الترجمة الأنجليزية لـ ( السودان و الأفريقانية ) كل تلك الأشياء كانت مجموعة و كأنها في سباق مع الزمن كان يقول ( المرة دي حاقعد أكتب و الم أصحابي تاني ) ... يقول في العام 1974 م عندما بدأ العمل في السلك الدبلوماسي كان العارف الاديب محمد المهدي المجذوب خدن روحه يقول له مُحباً : ( أنت ما ِسيد السفارة و الأمارة ) وعندما بعث للعمل في بيروت غنى وردي في حفل وداعه مع محمد الأمين ( لو بهمسة ) حتى شق الصوت ليل أمدرمان الطويل .. كان يعجب لعبقرية محمد وردي في الغناء و كيفية أدخاله للطار النوبي فجاءة في أغنية ( يا بلدي يا حبوب ) في وصلة طويلة رائعة .. أهدي اليه كتابه عن خليل فرح ( نقوش علي قبر الخليل) .. قبل يوم من وفاته نظر ساهما وقال : (وردي طول من البلد ) و هز رأسه و نظر إلى أفق بعيد ، تذكر صديقه ( عبد الحليم بابو فاتح ) كان يضحك لمجرد ذكر الأسم ، يحكي احد دعاباته بصوت مسموع أو سرا ثم يضحك مجلجلا ( يا حليلك يا عبد الحليم ) هكذا قال .. تذكر جده و توتي ... تذكر محمد المكي أبراهيم و ذكر أن هنالك أوراقاً مهمة يجب أن يسارع بإرسالها له ، صديقه محمد المكي الذى ولع بأشعاره و أحب أقواله المأثورة و الساخرة و أطلق علي برامجه اسماء لقصائد له مثل برنامجه الاذاعي (الشرف الجديدة) و التلفزيونى ( بعض الرحيق ) كما كان هو صاحب السبق في الطلب من الفنان ابوعركى البخيت أن يغنى (بعض الرحيق انا والبرتقالة انت ) و وضع الحانها الأولى في صالونه الأدبي بالملازمين ، و كان يطلق عليه تحببا أسم (مكي ) و كان سعيدا بموهبة دلال المبكرة في الكتابة و حفظها لقصائده (مدينتك الهدى و النور ) و (مزرعة في الجبل ) و آخريات ... تذكر ( كمال الجزولي ) و لعم كمال صديقه منذ الصبا في قلبه قصة آخرى .. و قال أن لديه موعد مع ( مبارك بشير ) فهاتفه في نفس اللحظة و حكى له كيف كان يحكي لي عن يوم عرسه ، كيف كان الفنانين يتسابقون في الحضور و المجاملة و عن دفتر الحضور و الغياب و عن كارت الدعوة الذي قام بتصميمه الفنان ( أحمد عبد العال ) و الذي احتفظ به في أطار جميل مازال حتى الأن في موضعه ، و كيف غنى وردي للمجاملة في (بري) قبل يوم من الزفاف حتى تكون العروس حاضرة لأرتباطه في اليوم التالي بسفر إلى الخارج ... قبل أسبوع من وفاته أنطلقت شائعة بموته لا نعلم مصدرها حتى الأن , حينها شهد بأم عينه كيف ستبكيه الناس كيف جاءت والدته و أخواته و أصدقاءه بحالة يرثى لها ، كان يجلس بالقرب من جدتي المريضة ليقنعها بأنه مازال على قيد الحياة ، و يرثى لحال عماتي و نحيبهن أمامه و عندما أنصرف الناس كان يقول لوالدتي و قد عاد إلى طبيعته المازحة بالرغم من هول ما رأى ( أنت وين من قبيل قربنا نرفع الفراش ) ثم سألني قائلاً : كيف تتصورين موتي ؟؟ .. فأنزعجت لمجرد ذكر الكلمة فأضاف مواصلاً دون إنتظار الرد : موتي يعني أن يأتي الناس من كل مكان من وزارة الخارجية , أتحاد الفنانين , أتحاد الكتاب و الأذاعة و التلفزيون سيحزن أصدقائي كثيراً و ستكتب الصحف و المجلات عن النبأ وستنعيني البلاد بأسرها .. بعد أسبوع واحد من ذلك اليوم كان يوم وداعه كما وصف تماما ...